وهبة الزحيلي
232
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الاستغراق ، وذكر الجوف فِي جَوْفِهِ لزيادة تصوير الإنكار . أَخْطَأْتُمْ تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ بينهما طباق . المفردات اللغوية : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ جَعَلَ خلق ، وهذا رد على من زعم من الكفار أن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ الظهار : أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، أو كظهر أحد محارمه ، أي أنت في التحريم علي كتحريم الأم ونحوها من المحارم . أُمَّهاتِكُمْ أي كالأمهات في التحريم ، فقد كان الظهار في الجاهلية طلاقا ، أما في الإسلام فتجب فيه الكفارة قبل الجماع . وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ جمع دعيّ : وهو الذي تدّعى بنوته ، فيدعى لغير أبيه ابنا له ، وكان له أحكام الابن في الجاهلية وصدر الإسلام ، وفي الواقع هو ابن غيره . أَبْناءَكُمْ أي أبناء في الحقيقة . والمراد : ما جمع تعالى الزوجية والأمومة في امرأة ، ولا الدعوة والنبوة في رجل ، فكما لم يجعل اللّه قلبين في جوف لأدائه إلى تناقض : ( وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل القوى وغير أصل ) لم يجعل الزوجة والدّعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أما ولا ابنا اللذين بينهما وبينه ولادة . ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ذلِكُمْ إشارة إلى كلّ ما ذكر ، و قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي مجرد قول في الظاهر ، لا حقيقة له في الواقع . وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أي يقول ما له حقيقة مطابقة للواقع . وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ سبيل الحق . والمراد : نفي وجود القلبين ، ونفي الأمومة والبنوة عن المظاهر منها والمتبنى . ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أي لكن انسبوهم إليهم . هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ تعليل لما سبق ، و أَقْسَطُ أفعل تفضيل ، قصد به الزيادة مطلقا ، أي أعدل ، والمراد : البالغ في الصدق . سبب النزول : نزول الآية ( 4 ) : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ : أخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : قام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوما يصلي ، فخطر خطرة ، فقال المنافقون الذي يصلون معه : ألا ترى أن له قلبين ، قلبا معكم وقلبا معه ، فأنزل اللّه : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ .